جمعية البنوك اليمنية - صنعاء بتاريخ: 2026/04/11
بقلم: د. محمد عبدالوهاب الشامي*
لم يعد امتلاك التكنولوجيا في عالم اليوم ترفًا أو خيارًا تنمويًا ثانويًا بل أصبح أحد أهم عناصر القوة الاقتصادية والسيادة الوطنية، فالدول التي نجحت في بناء اقتصادات قوية لم تكتفِ باستهلاك التكنولوجيا بل عملت على توطينها وتطويرها لتصبح جزءًا من بنيتها الإنتاجية وقدرتها التنافسية.
وفي هذا السياق يبرز مفهوم توطين التقنيات بوصفه أحد المسارات الاستراتيجية التي يمكن أن تمكن الاقتصادات النامية من الانتقال من موقع المستهلك للتكنولوجيا إلى موقع المنتج والمطوّر لها فالفارق الحقيقي بين الاقتصادات المتقدمة والنامية اليوم لا يكمن في حجم الموارد فحسب بل في القدرة على امتلاك المعرفة التقنية وتطويرها محليًا.
وفي اليمن تزداد أهمية توطين التقنيات في ظل التحولات الرقمية المتسارعة التي يشهدها العالم والتي أصبحت فيها التكنولوجيا عاملًا حاسمًا في بناء الاقتصادات الحديثة وتعزيز كفاءة المؤسسات وتحسين جودة الخدمات ولم يعد من الممكن الحديث عن اقتصاد تنافسي أو قطاع مالي متطور أو إدارة حديثة للمؤسسات دون بنية تقنية قادرة على دعم هذه التحولات.
إن توطين التقنيات لا يعني فقط استيراد الأنظمة والأجهزة بل يعني بناء القدرة المحلية على تطوير الحلول التقنية وتشغيلها وإدارتها وتحديثها، فكلما ارتفعت نسبة المعرفة التقنية داخل الاقتصاد زادت قدرته على الابتكار وخلق فرص العمل وتقليل الاعتماد على الخارج.
ويمتلك اليمن مقومات حقيقية يمكن أن تشكل أساسًا لنجاح هذا التوجه وفي مقدمتها العقول الشابة والكفاءات التقنية الواعدة التي أثبتت قدرتها على العمل في مجالات البرمجيات والأنظمة الرقمية رغم التحديات الاقتصادية والظروف المعقدة غير أن هذه الطاقات تحتاج إلى بيئة مؤسسية وتشريعية داعمة تتيح لها التحول إلى قوة إنتاجية حقيقية داخل الاقتصاد الوطني.
كما أن توطين التقنيات يرتبط بشكل مباشر بتطوير قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات باعتباره البنية التحتية التي تقوم عليها مختلف التطبيقات الرقمية والخدمات الإلكترونية فكلما كانت الشبكات أكثر تطورًا واستقرارًا ازدادت قدرة الاقتصاد على استيعاب التقنيات الحديثة وتطوير التطبيقات المحلية التي تخدم القطاعات المختلفة.
ومن هنا فإن تبني سياسات واضحة لدعم البرمجيات والحلول التقنية المحلية يمكن أن يشكّل خطوة مهمة نحو تعزيز الاستقلالية التقنية وتقليل الاعتماد على الأنظمة الخارجية كما أن تشجيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص ودعم الشركات التقنية الناشئة وتوسيع برامج التدريب والتأهيل في مجالات التكنولوجيا المتقدمة كلها عناصر أساسية لبناء منظومة وطنية قادرة على إنتاج المعرفة التقنية
ولا يقتصر أثر توطين التقنيات على الجانب الاقتصادي فحسب بل يمتد أيضًا إلى تعزيز الأمن السيبراني وحماية البيانات الوطنية فكلما ازدادت القدرة المحلية على تطوير وإدارة الأنظمة الرقمية أصبحت المؤسسات أكثر قدرة على حماية بنيتها التحتية الرقمية والتعامل مع التهديدات الإلكترونية المتزايدة
إن بناء اقتصاد رقمي قوي في اليمن لن يتحقق فقط عبر استيراد التكنولوجيا بل من خلال امتلاكها وتطويرها وتوطينها فالتقنية لم تعد مجرد أداة تشغيلية بل أصبحت ركيزة من ركائز القوة الاقتصادية ومصدرًا رئيسيًا لخلق القيمة وفرص العمل.
ومن هنا فإن الاستثمار في توطين التقنيات يمثل استثمارًا في مستقبل اليمن الاقتصادي وخطوة أساسية نحو بناء اقتصاد أكثر استقلالية وقدرة على المنافسة في عالم أصبحت فيه المعرفة والتكنولوجيا هي الثروة الحقيقية للأمم.
رئيس قطاع الاتصالات وتقنية المعلومات – الغرفة التجارية*