جمعية البنوك اليمنية - صنعاء بتاريخ: 2026/06/01
محمد متاش *
خلال السنوات الأخيرة، لم يكن التغير في القطاع المالي مجرد تطوير في الأدوات أو القنوات، بل تحول أعمق في طريقة عمل السوق نفسه.
ولأن السوق لا يتغير بهدوء بل يعيد ترتيب قواعده فجأة ، ثم يطلب من الجميع التكيّف. فإن العميل اليوم لم يعد ينظر إلى المؤسسة المالية من زاوية حجمها أو تاريخها، بل من زاوية واحدة تقريبًا وهي مدى سهولة التعامل معها، وسرعة استجابتها، وقدرتها على أن تكون جزءًا من حياته اليومية بدون تعقيد.
في هذا السياق، لم يكن صعود المحافظ الإلكترونية، وشبكات التحويل، وبعض شركات الصرافة مجرد منافسة جديدة، بل نتيجة مباشرة لتغير مفهوم الثقة التي لم تعد تُمنح تلقائيًا للمؤسسة الأكبر أو الأقدم، بل للجهة الأقرب، والأسرع، والأكثر حضورًا في لحظة احتياج العميل.
ومع ذلك، فإن هذا التحول لا يلغي الدور التنموي العميق للبنوك، التي ما زالت تمثل العمود الفقري للنظام المالي، بحكم خدمات لا يمكن استبدالها أونقلها بالكامل خارج القطاع المصرفي مثل الاعتمادات المستندية، وخطابات الضمان، والتحويلات الدولية(سويفت) ،وتمويل الأنشطة التجارية والاستثمارية المتنوعة.
وهنا تتضح الحقيقة الأهم: وهي أن الواقع الحالي أقرب إلى “تداخل نماذج مختلفة تسعى لفهم العميل والسوق” أكثر من كونه صراعًا مباشرًا بين أطراف متنافسة.
وهنا يبرز التساؤل المهم : هل تغيّر دور التسويق؟
لم يتغير “دور التسويق” بقدر ما تغيرت طبيعته داخل المؤسسة المصرفية نفسها. فالتسويق لم يعد وظيفة تكميلية تُقاس بقدرتها على تنفيذ الحملات أو زيادة الانتشار أو الترويج لخدمات جاهزة ، لأن أي فجوة في الخدمة، أو بطء في الإجراءات، أو ضعف في التجربة الرقمية، يتحول مباشرة إلى “فشل تسويقي”، حتى لو كانت الحملات قوية. لأن العميل لا يميز موطن الخلل، بل يختبر المؤسسة كوحدة واحدة متكاملة تنتهي برضاه أو عدم رضاه.
و لذلك أصبح التسويق اليوم أقرب إلى وظيفة تحليلية استراتيجية، لا تنفيذية فقط؛ فهو يقرأ السوق، ويترجم سلوك العميل، ويعيد صياغة احتياجاته إلى لغة يمكن للمؤسسة أن تبني عليها منتجات وخدمات.
ولهذا لم يعد السؤال: كيف نسوّق بشكل أفضل؟ بل أصبح: كيف نبني مؤسسة تفهم العميل ويثق بها العميل من أول تجربة؟
وفي المقابل، تحتاج الإدارات العليا إلى إعادة النظر في تقييمها لدور التسويق ومنحه دورا أكبر وواسعا.
فالتسويق لا يستطيع وحده معالجة فجوة الثقة، لكنه يستطيع أن يكون الجسر الذي يعيد ربط البنك بالسوق عندما تتكامل معه الإدارة والخدمة والتقنية.
* مدير تسويق وتطوير أعمال