مقابلات ومقالات

  • شارك:

البُنُـــوك الدِّيليفــــري.. الحــــاجة أُم الاختـــــــراع!!!


جمعية البنوك اليمنية - صنعاء     بتاريخ: 2026/07/30

 

محمـــد علـــي ثـامــــر*


البنوك الديليفري هي نموذج مصرفي يعتمد على انتقال الخدمات إلى العميل أينما كان، من خلال فرق ميدانية مدعومة بالتقنيات الرقمية


تشير التقارير الصادرة عن مؤسسات دولية إلى أن التحول الرقمي في الخدمات المالية لم يعد خياراً، بل ضرورة مرتبطة بتوسيع الشمول المالي 


قد يذهب حدس البعض إلى أن هذا المصطلح هو عبارة عن فلسفةً مصرفيةً جديدة؛ وطبعاً قد تكون أو لا تكون كذلك، أو أن نفكر بأنها تطبيقٌ مصرفيٌّ صادرٌ قبل أوانه؛ وهذا الأمر أيضاً ليس صحيحاً، وإذا ما ذهبنا يمنةً ويسرةً؛ فإن الإجابة التي تطرح نفسها، قد ربما تجعلنا أكثر حيرةً وأكثر توهاناً.. وهذا ما يتضح من فحوى العنوان قبل أيُّ شيءٍ آخر!!.
ولكي لا نُطيل الفرضيات والتَّساؤلات ولندخل في صُلُب الموضوع؛ فعادةً ما تشتكي البُنُوك من قلة الأرباح السَّنوية المُحقَّقة من نتاج عملها، وتصرخ أيضاً من ارتفاع التَّكاليف التَّشغيلية لها سنةً تلو أخرى، كما أن الشُّمُول المالي يعدُّ متطلباً بل ومعياراً لها في تحقيق كفاءتها، ورصد تقدُّمها.... وغيرها من الأسباب التي تُمثِّل أزمةً حقيقيةً للقطاع المصرفي التَّقليدي بشكلٍ عام، ولمواجهة هذه الأزمة يجب على البُنُوك البحث عن وسائل وسُبُل جديدة لتحقيق ما تصبوا إليه في نفس الوقت والمكان، بل وبتكاليف مخفَّضة، وبمزايا بنكية أكثر إغراءً... إلخ.

ما هي البُنُوك الدِّيليفري؟! بالطبع ليست تعاريف فقط!!
في البداية لم تعد العلاقة بين الإنسان والبُنُوك تُقاس بالمكان بقدر ما تُقاس بسهولة الوصول؛ وهذا هو عمود الأساس؛ فقبل عقودٍ من الزَّمن، كانت البُنُوك (إدارةً عامةً أو فرعٍ من فروعها) تُمثِّل مركز الثُّقل في الحياة المالية؛ حيث يتخلَّلها طوابير طويلة، ومعاملات ورقية، ودفاتر بنكية، وانتظارٍ قد يمتدُّ لساعاتٍ لإنجاز عمليةً بسيطة، ثم بدأ هذا المركز يتراجع تدريجياً مع ظهور أجهزة الصَّراف الآلي، تلتها الخدمات الإلكترونية، ثم التَّطبيقات الذَّكية، ولاحقاً مع التَّحوُّل الرَّقمي والخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول الذي بين يديك – عزيزنا القارئ الكريم –؛ ولكن هذا التَّحوُّل لم يكن مجرد انتقالٍ تقنيٍّ فحسب، بل إعادة تشكيلٍ لطبيعة السُّؤال نفسه: هل ما يزال على العميل أن يذهب إلى البنك أصلاً؟ أم أن المنطق الجديد للخدمات البنكية يسمح بأن ينتقل البنك إلى حيث يتواجد العميل؟ وهذا السُّؤال، في جوهره، هو المدخل الأساسي لفهم التَّحوُّلات التي تشهدها الصِّناعة المصرفية اليوم، والتي لم تعد تتمحور حول "الفرع" بوصفه وحدة تشغيل وتواجد، بل حول "الخدمة" بوصفها وحدة حركةٍ وانتقال.
وما نعرفه جيداً خلال العُقُود الأخيرة، واجه النُّموذج التَّقليدي للبنوك – القائم على الفُرُوع – ضغوطاتٍ مُتزايدة؛ من ناحية، ارتفعت التَّكاليف التَّشغيلية لهذه الفُرُوع؛ سواءً من إيجاراتٍ، ورواتب، وبُنية تحتية متنوعة، ومن ناحيةٍ أخرى، التَّغيّرات التي طرأت في سُلُوك العُملاء بشكلٍ جذري، خصوصاً مع انتشار الهواتف المحمولة، حيث أصبحت الخدمات المالية مُتاحةً في أيُّ وقتٍ ومن أيُّ مكان؛ حيث تشير تقارير صادرة عن مؤسساتٍ دولية كالبنك الدُّولي وصندوق النَّقد الدُّولي إلى أن التَّحوُّل الرَّقمي في الخدمات المالية لم يعد خياراً، بل ضرورةً مرتبطةً بتوسيع الشُّمُول المالي، وتقليل تكلفة الوصول إلى الخدمات. 
وفي هذا السِّياق، لم يعد السُّؤال: كم عدد الفُرُوع التي يمتلكها البنك؟ بل أصبح: كم عدد الطُّرق التي يصل بها البنك إلى العميل؟!! والإجابة هنا ستوضح الفرق الحقيقي حتماً؛ ولكن قبل الإجابة سأذهب إلى ذكر تعريفٍ لهذا المفهوم أو المُصطلح الجديد في عالم البُنُوك؛ وهو ((Delivery Banking Model (DBM)، وتكون البُنُوك الدِّيليفري هي التَّسمية العربية لهذا النُّموذج، أما تعريفه؛ فهو «نموذجٌ مصرفيٌّ يعتمد على انتقال الخدمات المصرفية إلى العميل أينما كان، من خلال فرقٍ ميدانيةٍ مدعومةٍ بالتِّقنيات الرَّقمية، بحيث تُقدِّم معظم هذه الخدمات خارج الفُرُوع التَّقليدية للبُنُوك، بما يُعزِّز الشُّمُول المالي، ويُخفِّض التَّكاليف التَّشغيلية، ويُحسِّن تجربة العميل»، أو هو «فلسفةً مصرفيةً جديدةً تقوم على انتقال الخدمات المصرفية إلى العميل في أيُّ مكان، عبر الدمج بين الرَّقمنة واللُّوجستيات والفرق الميدانية، بما يُقلِّل الاعتماد على الفُرُوع التَّقليدية، ويجعل البنك خدمةً متنقلةً متواجدةً حيثما يريدها العميل، لا مكاناً ثابتاً يبعد ربما عشرات أو مئات الكيلومترات».
ومن خلال هذين التَّعريفين؛ فإن الإجابة تتمثَّل في بنوكٍ لا تقوم فقط بإيصال الخدمات المصرفية سواءً عبر الفُرُوع التَّقليدية أو حتى عبر الخدمات الإلكترونية فحسب؛ بل أنها تتمثَّل في تواجد البنك حيثما يكون العميل؛ في الرِّيف والحضر، في قمم الجبال، وعُمق الصحاري، وأرخبيلات الجُزُر وغيرها؛ وهذا المعيار بالطبع سيُحقِّق الشُّمُول المالي بأصدق صورة، بل ويُحقِّق رسالة وغاية وهدف كبير يتمثل في (العميل أولاً)؛ وبالتالي فليس على العميل أن يذهب إلى البنك، بل على البنك أن يصل إلى العميل.


العميل محور العمل.. من يذهب نحو الآخر؟!
لم تكن الصِّناعة المصرفية يوماً ما ثابتةً في شكلها؛ فمنذ نشأتها الأولى، وهي تتحرك بين ثلاثة مراكز ثُقل: المكان والوسيط والتُّكنولوجيا؛ فالمكان يتمثَّل في الفرع البنكي، ثم أصبح الوسيط هو الصَّراف الآلي، ثم جاءت التُّكنولوجيا لتعيد جميعها تعريف العلاقة بين البنك والعميل بشكلٍ كامل؛ ولكن التَّحوُّل الأهم لم يكن في الأدوات فقط، بل في السُّؤال الذي بدأ يفرض نفسه تدريجياً؛ من يجب أن يتحرَّك نحو الآخر؟! البنك أم العميل؟!! وللإجابة عليه، يجب أن نُوضِّح بأن العديد من الخُبراء والمُختصين في الشَّأن المصرفي العالمي قد أجزموا بأن الصِّناعة المصرفية تظل في حركة نموٍّ وتطورٍ مستمر؛ فقد عرفنا طرقٍ وأساليب في هذا المجال ربما اندثر بعضها، والبعض الآخر لا يزال يُراوح في السِّياق؛ أي أنها بالمُجمل تعد حلولاً مُتعددةً لمشكلةٍ واحدة؛ ألا وهي كيفية الوصول إلى العميل وإرضائه وتلبية متطلباته في ذات الوقت الذي يرغب.
واستجابةً لهذا الأمر، ظهرت عدَّة نماذج مصرفية حاولت تقليص الاعتماد على الفُرُوع التَّقليدية، دون أن تعيد تعريف البنك نفسه؛ وأبرزها: (الصَّيرفة بلا فروع – Branchless Banking): حيث يتم تقديم الخدمات عبر قنواتٍ رقميةٍ فقط أو عبر شركاء خارجيين، ثم (الصَّيرفة عبر الوكلاء – Agent Banking): وتتمثَّل في استخدام شبكةً من الوكلاء المحليين لتقديم خدمات الإيداع والسَّحب والتَّحويل، ثم (الخدمات المصرفية عبر الهاتف – Mobile Banking): والتي عملت على نقل الخدمات المصرفية إلى الهاتف المحمول، وجاءت بعدها (الخدمات المنزلية – Doorstep Banking): وهي عبارة عن تقديم بعض الخدمات في موقع العميل، وآخرها (الفُرُوع المُتنقلة – Mobile Branches): وهي عبارة عن وحداتٍ مصرفيةٍ تتحرك إلى مناطق مختلفة لتقديم الخدمات البنكية...؛ وبالطبع فرغم نجاح هذه النَّماذج في توسيع وصول العميل إلى الخدمات البنكية؛ إلا أنها حتماً بقيت تعمل بشكلٍ مُنفصل، حيث يُعالج كل نموذجٍ جزءاً من المشكلة دون أن يُعيد صياغة البُنية الكاملة للنظام المصرفي.. وهذا ما نبحث عنه.

هل هناك تجارب سابقة وتحديداً في اليمن؟!
على ذكر التَّجارب؛ فمحلياً في بلادنا (اليمن) كانت هناك عدة تجارب نجحت في كثيرٍ من هذا الأمر؛ فمثلاً: «حرص بنك الكريمي في بدايات انطلاقته كشركة تحويلات في تسعينيات القرن الماضي؛ في إيصاله حوالات العُملاء عبر الاتصال بهم، ومن ثم تطوَّر الأمر حتى تسليمهم حوالاتهم إلى المنازل يداً بيد».. كما «قام البنك التجاري اليمني بإطلاق خدمة (البنك المتنقل)؛ وهو عبارة عن شاحناتٍ مصرفيةٍ متنقلةٍ مزودةً بصرافٍ آلي، ومكتب خدمة عُملاء يتنقل داخل المدن الرئيسية لتقديم الخدمات البنكية في مواقع مختلفة وفي أوقاتٍ بعينها»؛ وهاتين خطوتين متقدمتين لو استمرتا، ولكنهما تظلان (الأولى شخصٌ مُتنقل، والأخرى فرعٌ متنقل)؛ أي أن الخطوتين لا تعدان وفق المفهوم بعاليه، وإنما جزءٌ منه..
ولو نظرنا إيجاباً إلى هذا الأمر فإنه يعد تطوراً كبيراً يُحاكي بعض ما نناقشه في هذا المقال؛ بل وخطوةً متقدمةً تتجاوز المراحل المصرفية المعروفة: (مرحلة الوكلاء المصرفيين وشبكات الصِّرافة مثل شبكات الوكلاء) التي اعتمدت عليها بعض البُنُوك لتقديم الحوالات والسَّداد والإيداع والسَّحب خارج الفُرُوع؛ وهذا الأمر يُقرِّب الخدمة من العميل، لكنه لا يجعل البنك نفسه ينتقل إلى العميل، ثم جاءت بعدها (مرحلة المحافظ الإلكترونية، وتطبيقات الخدمات المصرفية عبر الهاتف)؛ والتي مكّنت العميل من تنفيذ عملياتٍ عديدة دون زيارةٍ لفرعٍ من فروع البُنُوك؛ ولكنها تعتمد على أن يقوم العميل باستخدام التَّطبيق أو التَّوجه إلى وكيلٍ عند الحاجة، ثم (مرحلة الفُرُوع أو العربات المُتنقلة)؛ وغيرها من المراحل التي تسعى نحو نتيجةٍ واحدةٍ هي توفير الخدمات البنكية التي يطلبها العُملاء.. ولكنها بالطبع لا تصل إلى مرتبة البُنُوك الدِّيليفري والتي تتواجد في الوقت والمكان والزمان الذي يريده العميل دونما انتظارٍ ليومٍ آخر، أو لموعدٍ بعينه.
أما دولياً؛ فأورد هنا ثلاثة نماذج لدولٍ نجحت في كثيرٍ من هذا المفهوم؛ ففي (الهند)، توسَّعت البُنُوك الهندية في تقديم (الخدمات المنزلية – Doorstep Banking) لتشمل فتح الحسابات، والإيداع، والسَّحب، واستلام المستندات في منزل العميل، لكنها ظلت تُقدَّم غالباً كخدمةٍ إضافيةٍ وليست كنموذجٍ مصرفيٍّ متكامل. 
أما (البرازيل)، فقد أدى نموذج الوكلاء المصرفيين إلى تغطيةٍ شبه شاملةٍ للبلديات بخدماتٍ ماليةٍ أساسية، بعد أن كانت أجزاءً واسعةً خارج النظام المصرفي، وفي (كينيا)، فقد لعبت الخدمات المالية عبر الهاتف المحمول دوراً محورياً في إعادة تشكيل العلاقة بين الأفراد والنِّظام المالي، حيث أصبح الهاتف المحمول أداةً أساسية لإجراء المدفوعات والتَّحويلات دون الحاجة إلى فرعٍ مصرفي.
وممَّا ذكر؛ فإن هذه التَّجارب تكشف ليس نجاح نموذجٍ واحد، بل حقيقةً أوسع؛ تتمثَّل في أن الخدمات المصرفية بدأت تنفصل عن الجغرافيا التَّقليدية للفروع؛ وهذه التَّجارب مثلت، في جوهرها، انتقالاً أولياً لفكرة «تحرك الخدمة نحو العميل»، لكنها بقيت محدودةً في نطاقها التَّشغيلي، ولم تتحوَّل إلى نموذجاً مصرفياً شاملاً؛ وبالتالي ففي بلادنا (اليمن) ومع اندلاع الحرب الدائرة، فقد توقفت هذه المبادرات، إلى جانب العديد من محاولات التَّوسُّع المصرفي الميداني؛ ولكن ومع ذلك، فإن أهمية هذه التَّجربة لا تكمن في استمرارها، بل في كونها تشير إلى أن فكرة «الخدمة المتنقلة» ليست غريبةً عن السِّياق اليمني، بل سبق اختبارها بشكلٍ عملي، وأصبح لهذا المفهوم درجةً من الفهم المجتمعي له.

لـماذا لا يُطبق هذا الـمصطلح الجديد؟
رغم تنوُّع النَّماذج السَّابقة؛ إلا أن المشهد الحالي يُعاني من تجزؤٍ واضح؛ فالبُنُوك الرَّقمية تعمل بمعزلٍ عن الوكلاء، والفُرُوع المُتنقلة تعمل كحلولٍ مؤقتة، والخدمات المنزلية تظلُّ محدودة النِّطاق؛ وبالتالي فإن النَّتيجة تتمثَّل في غياب إطارٍ مُوحَّدٍ يُعيد تعريف البنك نفسه بوصفه منظومة خدماتٍ متحركة، لا مجموعة قنواتٍ مُنفصلة؛ وهذا ما يمكن تسميته بـ(الفراغ المفاهيمي) الذي يفتح الباب أمام إعادة التَّفكير في النُّموذج المصرفي الموحد بشكلٍ عام ولكن من زاويا مختلفة، بل ويستخدم شتى طرق التوصيل والتواصل التَّقليدية أو الإلكترونية مع مجتمع العُملاء دونما حواجز أو موانع أو خلافهما.
فإذا ما كانت البُنُوك قد ألغت الحاجة إلى زيارة الفرع في كثيرٍ من المعاملات، وإذا كانت الصيرفة بالوكلاء قد قرّبت الخدمة من العميل، وإذا كانت الخدمات المنزلية قد أوصلت بعض الخدمات إلى باب المنزل؛ فإن "البُنُوك الدِّيليفري" تقترح دمج هذه العناصر في نموذجٍ تشغيليٍّ واحد يجعل انتقال البنك إلى العميل هو القاعدة التَّشغيلية، بينما يصبح الفرع مركزاً للدعم والعمليات، لا نقطة الخدمة الأساسية؛ أي أن هذا المفهوم يقوم على فرضيةٍ بسيطةٍ لكنها جذرية؛ فالبنك لا يُعرّف بمكانه، بل بقدرته على الوصول إلى العميل أينما كان؛ وفي هذا الإطار، لا يعود الفرع البنكي هو الوحدة الأساسية، بل تصبح الخدمة هي الوحدة المركزية، وتتحوَّل البُنية المصرفية إلى منظومةٍ لوجستيةٍ رقميةٍِ ميدانيةٍ متكاملة، تعمل على نقل الخدمة إلى العميل عند الطلب وفي حينه؛ وسواءً في منزله أو في مقر عمله أو غيرها، ولو تطوَّر وتعمَّق أكثر لأمكنه من نقل الخدمة داخل البلد وخارجها.
وبالتَّأكيد فلا يتم ضمن هذا المفهوم، إلغاء الفُرُوع البنكية بالكامل، بل أنها تتحوَّل إلى مراكز تشغيلٍ ودعم، وتنتقل الخدمة إلى ثلاث قنواتٍ رئيسيةٍ، هي: قنواتٌ رقميةٌ لإدارة العمليات، وفرقٌ ميدانيةٌ لتنفيذ الخدمات عند الطَّلب، وشبكةً لوجستية لتوصيل البطاقات والمُستندات وربما النَّقد أيضاً؛ وبهذا المعنى، يصبح البنك أقرب إلى منصة خدماتٍ مُوزِّعة، وليس فقط مؤسسةً مرتبطةً بموقعٍ جغرافيٍّ ثابت؛ وبالتالي سيتحقق العديد من المزايا لهذا النُّموذج أو المصطلح سواءً الاقتصاديةً أو الإداريةً أو غيرهما؛ فمن النَّاحية الاقتصادية، يطرح هذا النُّموذج عدة فوائد أبرزها: (خفض تكلفة التَّوسُّع الجغرافي مقارنةً بإنشاء الفُرُوع، وتحسين كفاءة الوصول إلى العُملاء في المناطق منخفضة الكثافة المصرفية، وتقليل زمن تقديم الخدمة، ورفع معدلات الشُّمُول المالي)، كما أن تقليص الاعتماد على البُنية الثَّابتة قد يتيح للبنوك إعادة توزيع الموارد واستخدامها نحو التُّكنولوجيا، وإدارة المخاطر بدلاً من الاحتفاظ بالبُنية العقارية، وغيرها.
أما المزايا الإدارية فتتمثل في كادرٍ مُدربٍ ومؤهلٍ جيداً، يتولى عملية توصيل الخدمات المصرفية إلى طالبيها،  ويُحقِّق معدل انتشارٍ كبير للبنوك، ومعدل وصولٍ أكبر في خدمة عملائه، وبالتالي سيعمل على جذب الكثيرين نحو هذا البنك نفسه أكثر من غيره.

هل يكون اليمن بيئة اختبارٍ ناجحٍ لهذا الـمفهوم ؟
بالطبع نعم؛ فاليمن تعدُّ بيئة اختبارٍ أكثر من كونها حالةً هامشيةً؛ فنظراً إلى محدودية انتشار الفُرُوع المصرفية فيه، وارتفاع الاعتماد على الحُلُول غير الرَّسمية، فإن البيئة اليمنية تُمثِّل حالةً نموذجيةً لاختبار هذا المفهوم إذا ما توفرت المتطلبات التَّنظيمية والتِّقنية؛ فإذا ما ذكرنا التَّجربتين السَّابقتين (لبنكي الكريمي والتِّجاري) المُتنقلة، إلى جانب انتشار خدمات التَّحويلات وشبكات الصِّرافة، فإنها تُشير إلى وجود بُنيةٍ أوليةٍ يُمكن البناء عليها، رغم التَّحديات الأمنية والتَّنظيمية واللُّوجستية التي أثَّرت على التَّطور أكثر في العمل المصرفي هذا من جهة، وعلى التَّطور في تطبيق هذا المفهوم من جهةٍ أخرى؛ وبالطبع فهذه التَّجارب لم تكن ناجحةً/ فاشلةً بالقدر المعلوم، بل مثَّلت انفراجةً أعقبها انتكاسةً وانقطاعاً قسرياً بسبب الحرب الدَّائرة؛ وهذا ما يفتح الباب للنقاش والتَّساؤل: ماذا لو أُعيد إحياؤها اليوم؛ ولكن بعد دمجها مع التَّطبيقات الرَّقمية، والتَّوقيع الإلكتروني، والذَّكاء الاصطناعي والخدمات اللُّوجستية... وغيرها؟! حينها ستصبح اليمن من أوائل الدُّول في تطبيق هذا المفهوم، وسيصبح العمل البنكي في بلادنا هو الأسرع نمواً وتطوراً، وسيعود بالفائدة العُظمى على البلد برمته.. وهذا ما نحلم به وسنسعى لتحقيقه.
ختاماً، وفي ضوء تطبيق هذا المفهوم؛ نتساءل حقيقة: هل نحن أمام تحولٍ في المعنى الأصلي للبنوك؟ وفي معاني الخدمات المُقدَّمة من قبلها؟! وهل ما زالت البُنُوك مؤسساتٍ مكانية أم أصبحت خدماتٍ تتحرك نحو العميل؟! والإجابة هُنا ربما لا تكمن الثَّورة القادمة في التُّكنولوجيا المصرفية وحدها، بل في إعادة تعريف موقع البنك من الحياة الاقتصادية والاجتماعية، فبينما تتطوَّر النَّماذج الحالية بشكلٍ مُتسارع، قد يكون المستقبل أقرب إلى منظومةً مصرفيةً لا تُزار بل تُطلب وفي الوقت والمكان الذي يُريده العميل؛ حيث تشير التَّقارير والتَّجارب الدُّولية إلى أن الصِّناعة المصرفية تتحرك تدريجياً نحو تقليص مركزية الفُرُوع التَّقليدية التي تعد تكلفتها هي الأعلى عالمياً، والتَّوجه نحو اعتماد نموذجٍ مُوحَّدٍ سيُؤدي لا محالة إلى خفض التَّكاليف التَّشغيليّة إلى مستوى (30%) ممَّا يُنفق اليوم؛ وبالتَّالي لا يمكن قراءة مصطلح «البُنُوك الدِّيليفري» كبديلٍ مُنفصلٍ في العمل المصرفي، بل كإطارٍ سياساتيٍّ وتجميعيٍّ يُعيد تنظيم القنوات المصرفية حول مبدأ واحد؛ ألا وهو «انتقال الخدمة إلى العميل بدلاً من انتقال العميل إلى الخدمة».
وفي ظل هذا التَّحوُّل، قد لا تكون المنافسة بين بنكٍ تقليديٍّ وبنكٍ رقميٍّ، بل بين نماذج مختلفة تسعى نحو «سرعة الوصول إلى العميل» لا في «وجود الفرع من عدمه»؛ أي أننا هنا لن نذهب للقول: بأن «البُنُوك الدِّيليفري هي مستقبل العمل البنكي في العالم بشكلٍ أوحد»؛ بل أنها عبارة عن تجميعٍ لعدَّة مكوناتٍ جديدة وإعادة تركيبها في إطارٍ واحد تستشرف المستقبل ذاته وتكتشفه لا محالة، وكما لم يكن الهاتف الذَّكي أول جهازٍ يجمع الكاميرا والهاتف والإنترنت؛ ولكنه غيَّر طريقة استخدامها، فقد يكون مستقبل البُنُوك قائماً على دمج قنوات الخدمة المُتنقلة والرَّقمية في نموذجٍ جديد يجعل البنك أقرب إلى العميل من أيُّ وقتٍ مضى.

*صحافي وباحث اقتصادي

 

مجلة المصارف العدد 46 يوليو 2026


 

جمعية البنوك اليمنية   جمعية البنوك اليمنية

رابط مختصر:
UP