جمعية البنوك اليمنية - صنعاء بتاريخ: 2026/02/11
ملامح التحول الرقمي في اليمن (التوسع والانتشار)
شهدت اليمن في السنوات الأخيرة تحولاً ملحوظاً في السلوك المالي للمواطن اليمني، مدفوعاً بضرورات الأزمة والحاجة لوسائل دفع بديلة عن الدفع النقدي، لقد نجحت فكره المحافظ الرقمية "الإلكترونية" في كسر ما تعرض له القطاع المالي والمصرفي اليمني من جمود نقدي رهيب، حيث استقطبت المحافظ الرقمية ما يقارب 800,000 حساب أموال إلكترونية منذ بدء تدشين هذه النوع من الخدمات المالية الرقمية ما بين 2019 و 2020 تقريبا، مما يعكس قابلية عالية للتوسع (Scalability) هذا النوع من الخدمات المالية الرقمية برغم التحدياتـ، هذا التوسع لا يعد مجرد طفرة تقنية تشهدها البيئة المالية والمصرفية والاقتصادية باليمن، بل هو استجابة لواقع يفرض الانتقال نحو "نظام مالي رقمي مرن" قادر على الصمود في بيئة تتعرض للازمات المالية والاقتصادية القوية وباستمرار خصوصا مثل البيئة المالية والاقتصادية التي يعيشها المواطن اليمني.1
فجوة الوصول والتحول من "الاقتصاد النقدي" (Cash-based economy)
يعاني النظام المالي اليمني من سيطرة "الاقتصاد القائم على النقد" (Cash-based economy)، حيث يتم تداول معظم المعاملات اليومية خارج القطاع المصرفي الرسمي، مما يولد تحديات ضخمة تتعلق بالسيولة والرقابة، وتتجسد فيها أيضا "فجوة الشمول المالي" (Financial Inclusion Gap) في أرقام صادمة؛ حيث بلغت نسبة امتلاك الحسابات الرسمية 12% فقط من السكان البالغين، بينما تعاني النساء من تهميش مالي حاد بنسبة ملكية لا تتجاوز 2%.4
هذا العجز هو المحرك الأساسي لمشروع البنك الدولي الذي يستهدف معالجة فجوة الوصول وتحويل التحويلات النقدية غير المشروطة (Unconditional Cash Transfers - UCT) الى القنوات الالكترونية، لا سيما أن 92% من اليمنيين ممن يتلقون المساعدات النقدية عبر محلات وكلاء شركات الصرافة المحلية المنتشرة يمكن تمكينهم من استلام مساعداتهم عبر المحافظ الإلكترونية.5
نظم الدفع والبنية التحتية المالية: نحو تكامل مالي مصرفي رقمي
تمثل البنية التحتية للأمداد المالي (Financial Market Infrastructure - FMI) العمود الفقري لأي تحول رقمي منشود، وفي الحالة اليمنية، يتجاوز الأمر مجرد تحديث تقني ليصل إلى كونه ضرورة لإعادة بناء الثقة في القطاع المصرفي وضمان استمرارية الخدمات المالية.6
يعاني القطاع المالي في اليمن حالياً من ظاهرة "الجزر الرقمية المنعزلة"؛ حيث تعمل البنوك والمحافظ الإلكترونية ضمن بيئات تقنية شبه مغلقة تفتقر نوعاً ما الى التنسيق البيني فيما بينها إلى وهو ما قد يرفع مستوى التعقيدات بإدارة السيولة النقدية ورفع التكاليف المعاملات المالية خصوصا ما بين المحافظات اليمنية.
وخصوصا القطاع المصرفي والذي يفتقر الى غياب شبه تام لنظام الدفع موحد فيما بينها البين "تشتت الجهود الرقابية وصعوبة تسوية الالتزامات المالية بين البنوك "، مما أثر سلباً على كفاءة الأداء المالي للمصارف وانعدام قدرة البنوك على الاستجابة الفورية لطلبات العملاء.
يعد "الترابط البيني" (Interoperability) المصطلح المفتاحي الذي تدور حوله استراتيجية البنك الدولي لعام 2025، فبدون وجود نظام يسمح للمحفظة الإلكترونية التابعة للبنك (أ) بإرسال أموال فوراً إلى حساب في البنك (ب)، سيظل الشمول المالي محدوداً وغير فعال.
لقد أكدت الأبحاث الميدانية في البيئة اليمنية أن "تطبيق أنظمة الدفع الإلكتروني يلعب دوراً حاسماً في إدارة السيولة وتقليل مخاطرها"، ولكن هذا الدور يظل منقوصاً في غياب نظام تسوية مركزي حديث يربط بين جميع الأطراف.8
يمثل مشروع (YFMII) نظام المدفوعات السريع (Fast Payment System - FPS) كأولوية قصوى لتفكيك هذه الجزر، ويهدف النظام إلى تمويل بناء منصة مركزية تسمح بالتحويلات الفورية (Instant Transfers) وبشكل متكامل بين مختلف المؤسسات المالية المشاركة، مما يقضي على العزلة التقنية الحالية للقطاع المالي والمصرفي اليمني، هذا التكامل سيسمح بما يلي:
- تحويل المدفوعات الصغيرة (عبر المحافظ الرقمية) بصفة فورية (P2P, P2M).
- ضمان التسوية النهائية للمبالغ الكبيرة عبر الـ (RTGS) المحدث بين البنوك مع حتميه اشراك قطاع شركات ووكالات الصرافة كونها تمثل قوه اقتصادية مالية شبه مصرفية لا يمكن تجاهلها باي حال من الاحوال، مما يعزز الاستقرار المالي الكلي. 9
إن الانتقال نحو نظام (FPS) ليس مجرد رفاهية تقنية، بل هو "المحرك التقني" الذي سيحول المحافظ الإلكترونية من تطبيقات محدودة الاستخدام إلى جسور حقيقية للشمول المالي. فمن خلال توظيف التمويل الدولي لتحديث الـ (RTGS) وبناء الـ (FPS)، سيتمكن النظام المالي اليمني من تجاوز تحديات السيولة التي رصدتها الدراسات المحلية، والوصول إلى بنية تحتية مالية مرنة (Resilient Infrastructure) قادرة على استيعاب مئات الآلاف من المواطنين اليمنيين الجدد بحلول عام 2030.
المحافظ الإلكترونية ودورها الاقتصادي والاجتماعي
تعد المحافظ الإلكترونية في اليمن المحرك الأساسي لإعادة صياغة العلاقة بين المواطن والنظام المالي، فهي لا تمثل مجرد وسيلة للدفع، بل أداة تمكين قادرة على معالجة الاختلالات الهيكلية في الوصول والانتشار.
المحافظ الإلكترونية كأداة لاختراق العزلة المالية: تعتبر العزلة الجغرافية ما بين المحافظات اليمنية وضعف الانتشار المصرفي التقليدي من أكبر عوائق الشمول المالي في اليمن، وهنا يبرز دور المحافظ كـ "بنك في الجيب" قادر على تخطي حواجز المسافات والتكاليف التشغيلية لأي مصرف او شركة صرافة.
المحافظ الالكترونية وأثرها على الدورة الاقتصادية المحلية: لا يتوقف أثر المحافظ عند حدود الفرد، بل يمتد ليشمل استقرار الدورة الاقتصادية الكلية وتطوير أداء المؤسسات المالية، خاصة في ظل أزمات السيولة النقدية المتكررة.
كفاءة الأداء المالي (تجربة البنوك العاملة في صنعاء): كشفت الأبحاث العلمية المنشورة في عام 2023 أن أنظمة الدفع الإلكتروني، وفي مقدمتها المحافظ، أثرت إيجابياً على الأداء المالي للبنوك من خلال زيادة الربحية وخفض التكاليف التشغيلية. كما لعبت دوراً حاسماً في "إدارة السيولة وتقليل مخاطرها"، حيث ساهمت في تقليل الضغط على النقد المادي وتحويل المعاملات إلى سجلات رقمية فورية، ومن هذه التجارب:
تعزيز الثقة الرقمية (تجربة كك بنك CAC Bank): أظهرت الدراسات أن تبني قيادات البنوك لخدمات النقود الإلكترونية عبر الهاتف النقال ساهم في تحقيق رضا العملاء وتعزيز الثقة في النظام المصرفي الرقمي، هذا القبول المجتمعي هو ما يسعى مشروع البنك الدولي لاستثماره لرفع عدد الحسابات النشطة بنسبة 30% بحلول عام 2030، للوصول إلى أكثر من 487,000 مستخدم نشط.13
تجربة بنك اليمن والكويت: أثبتت الدراسات الميدانية أن المحافظ الإلكترونية لعبت دوراً معنوياً وذا دلالة إحصائية في تعزيز الوصول إلى الخدمات المالية (Access). فقد كشفت نتائج دراسة حالة بنك اليمن والكويت أن تطبيق المحفظة ساهم بدرجة عالية جداً في رفع مستوى جودة الخدمات المصرفية المقدمة، مما أدى إلى رضا واسع لدى العملاء الذين كانوا يجدون صعوبة في الوصول للفروع التقليدية.10
إن تجارب البنوك اليمنية (مثل بنك اليمن والكويت وكاك بنك) تؤكد أن المحفظة الإلكترونية أصبحت "الجسر الرقمي" الفعلي الذي يربط المواطن المعزول مالياً بالدورة الاقتصادية. ومن خلال توظيف لغة البنك الدولي، نجد أن هذا "الشمول المالي الرقمي" هو الضمانة الوحيدة لتحويل اليمن من اقتصاد نقدي (Cash-based) عاجز، إلى اقتصاد رقمي مرن وقابل للتوسع (Scalable) يخدم الفئات الأكثر احتياجاً، ويعود الفضل في ذلك الى تبني البنك المركزي صنعاء تجاه كلاً من بنك اليمن والكويت وكاك بنك الى تبني هذه التقنية الرقمية وقيامه بتقديم الدعم الكامل لهما لتعزيز التعامل مع محافظهما الرقمية.
بناء الثقة عبر الإطار التشريعي: تشير دراسة معهد الدراسات المصرفية اليمني إلى أن تطور القواعد التنظيمية، بدءاً من المنشور رقم (11) لعام 2014 وصولاً إلى القرار رقم (1) لعام 2020 بشأن خدمات النقود الإلكترونية، قد وفر الأرضية القانونية التي عززت من رضا العميل وثقته في هذه الوسائل كبديل آمن للنقد المادي. هذا الإطار التشريعي هو ما يمنح المحافظ صبغتها الرسمية ويحمي حقوق المستخدمين، مما يرفع من "الجدوى الاجتماعية" للمشروع.14
الاستجابة لتفضيلات الفئات الهشة: يتقاطع هذا الرضا المحلي مع بيانات البنك الدولي (وثيقة YFMII، ص 10)، التي كشفت أن 92% من اليمنيين غير المشمولين مالياً لا يرفضون التكنولوجيا، بل يطالبون بها؛ حيث أعربوا عن رغبة صريحة في استلام مساعداتهم عبر قنوات رقمية لضمان الخصوصية والكرامة والسرعة.
الجدوى الاجتماعية لتمكين المرأة: يؤكد تقرير صندوق النقد العربي أن أدوات الدفع الإلكترونية هي المحرك الأقوى لتمكين المرأة مالياً ومصرفياً، خاصة في المجتمعات التقليدية، حيث تتيح لها المحفظة إدارة شؤونها المالية بخصوصية تامة، وهو ما يهدف مشروع البنك الدولي لتعزيزه عبر زيادة ملكية النساء للحسابات بنسبة 30% بحلول 2030. 15
اختراق العزلة الريفية: بحسب دراسة معهد الدراسات المصرفية، فإن تكلفة إنشاء الفروع التقليدية وصعوبة وصول الخدمات البنكية للمناطق النائية كانت تحرم ملايين اليمنيين من الخدمات المالية. المحفظة الإلكترونية استطاعت تحويل الهاتف المحمول إلى "نقطة وصول مالي" (Financial Access Point - FAP)، مما أتاح للمزارعين والعمال في الأرياف إجراء معاملاتهم دون الحاجة للسفر إلى مراكز المدن.
توسيع شبكة الوكلاء: يركز مشروع البنك الدولي (YFMII، ص 24) 18 على دعم هذا المحور عبر توسيع شبكة الوكلاء المعتمدين ونقاط البيع (POS). الهدف الاستراتيجي هو تحويل الاقتصاد من "نظام نقدي" مجهول، إلى اقتصاد رقمي مرن (Resilient) يسهل تتبعه ودعمه فنياً. إن رقمنة المدفوعات من شخص لتاجر (P2M) والتحويلات الشخصية (P2P) هي الركيزة التي سيعتمد عليها المشروع لرفع عدد الحسابات النشطة إلى 487,000 حساب.17
المحافظ الإلكترونية: كأداة لرقمنة المساعدات (UCT) ومعالجة أزمات السيولة
تتجاوز المحافظ الإلكترونية في السياق اليمني دورها كأداة دفع تجارية لتصبح صمام أمان اقتصادي لليمن ككل سيسهم وبشكل فعال في معالجة أعقد المشكلات الهيكلية التي خلفها الاعتماد المفرط على النقد الورقي، بدءاً من رقمنة المساعدات الإنسانية وصولاً إلى تدوير الكتلة النقدية في القنوات الرسمية.
1. رقمنة صرف المرتبات (G2P) والتحويلات النقدية (UCT)
تمثل رقمنة الرواتب حجر الزاوية في بناء منظومة مالية شفافة وقوية، كما ان التحول من التوزيع النقدي المباشر إلى التحويلات النقدية غير المشروطة (Unconditional Cash Transfers - UCT) عبر المحافظ يضمن وصول الدعم لمستحقيه بأعلى معايير الكرامة والخصوصية.
كفاءة صرف المرتبات: تتيح المحافظ آلية مرنة لصرف مرتبات القطاعين العام والخاص (G2P)، مما يعالج حاله الركود الاقتصادي الذي تمر به البلاد بالإضافة الى انه يوفر قاعدة بيانات للمستخدمين، وهو ما يدعم "بناء القدرات المؤسسية" (Institutional Capacity Building) التي يسعى كلاً من البنك المركزي بصنعاء الى تعزيزها.
2. معالجة شحة السيولة وأزمة "النقد التالف": وتمثل أكبر المعضلات المزدوجة التي بدء يتعرض لها الاقتصاد اليمني ككل وبشدة شحة السيولة النقدية من جهة، وتراكم "النقد التالف" من جهة أخرى، نتيجة لغياب عمليات الاستبدال الدوري للعملة الورقية، اكدت دراسة علمية محلية بأن أنظمة الدفع الإلكتروني تلعب دوراً حاسماً في "إدارة السيولة وتقليل مخاطرها"؛ فمن خلال تحويل المعاملات إلى سجلات رقمية، يتم تقليل الضغط على المخزون النقدي المادي للبنوك.
3. الحماية من تلف العملة: المحافظ الإلكترونية توفر حلاً جذرياً لمشكلة "النقد التالف"؛ إذ تسمح للمواطن بإجراء معاملاته بقيمتها الحقيقية دون التعرض لخسارة ناتجة عن رفض العملات الورقية المهترئة. إن بقاء الأموال داخل "الدورة الرقمية" يطيل من عمر الكتلة النقدية المادية المتبقية ويقلل الحاجة لطباعة أو تداول أوراق جديدة.
4. تحصيل الرسوم السيادية وتدوير الكتلة النقدية: يعد تسهيل تحصيل الضرائب والجمارك والرسوم الحكومية (P2G) عبر المحافظ أحد أهم عوامل تعزيز الإيرادات العامة وتقليل الهدر المالي، وهو ما قامت به أكثر من مؤسسة ومصلحة حكومية في المحافظات الشمالية، وهناك العديد من المصارف وشركات الصرافة التي دخلت في شراكات مالية مع عده قطاعات حكومية لتسهيل عمليات التحصيل للرسوم السيادية، منها مثلا:
خدمة "محفظتي": وهي خدمة يقدمها بنك التضامن والتي تتضمن من خدمات هذه المحفظة تحصيل رسوم الإدارة العامة للمرور، ورسوم الهيئة العامة لتنظيم شئون النقل البري.
خدمة "جيب": وهي محفظة رقمية تقدمها شركة الحزمية للصرافة، وتتضمن من خدماتها تحصيل مدفوعات الزكاة، كما تقدم خدمة سداد رسوم حكومية E-Sadad، وأيضا سداد رسوم حكومية MPS
وهذه ميزات تمكن من سهولة التحصيل والشفافية.
5.تدوير الكتلة النقدية: يمثل مشروع نظام مدفوعات سريع (FPS): الأداة المساعدة لتغيير ملامح "الاقتصاد النقدي" (Cash-based economy) عبر إعادة دمج الأموال المكتنزة خارج الجهاز المالي الحكومية، إن استخدام المحافظ في دفع الفواتير والرسوم الحكومية سيسهم في "تدوير الكتلة النقدية" داخل النظام المالي للحكومة، مما يرفع من "السيولة الرقمية" المتاحة وتسبب بوفره مالية للقطاع الحكومي مما يسمح له بتمويل عمليات التنمية الاقتصادية، مما يعزز من مرونة الاقتصاد اليمني خصوصا في المناطق التي تتعرض للازمات المالية النقدية العادية والتقليدية.
المحافظ الرقمية والرؤى المستقبلية (2025–2030)
تمثل الفترة بين عامي 2025 و2030 مرحلة انتقالية جوهرية في تاريخ القطاع المالي المصرفي اليمني؛ حيث ننتقل من مرحلة "حلول الطوارئ" إلى مرحلة "بناء الأنظمة المستدامة". ويأتي مشروع البنية التحتية والشمول المالي في اليمن (YFMII) ليرسم ملامح هذا المستقبل من خلال رؤية "التكامل الرقمي" الشامل، فجوهر الرؤية المستقبلية يكمن في تحويل المشهد المالي من كيانات متفرقة إلى منظومة متكاملة (Integrated Ecosystem) تخدم التنمية والصمود الاقتصادي (Resilience).
وتتمثل الركائز التقنية للتكامل (2025-2030): تتمحور الرؤية حول ثلاثة مكونات تقنية كبرى ستغير وجه التعامل المالي في اليمن بحلول عام 2030:
•نظام المدفوعات السريع (FPS): سيعمل هذا النظام كقلب نابض للتكامل، مما يسمح بالترابط البيني (Interoperability) الفوري. هذا التوجه يحل المعضلة التي طرحتها دراسة علمية محلية حول تشتت أنظمة الدفع وأثره السلبي على إدارة السيولة.
•تحديث نظام التسوية الإجمالية الآنية (RTGS): لضمان تسوية المعاملات الكبيرة بأمان وفورية، مما يعزز الثقة في القطاع المصرفي الرقمي.
•تحديث الأنظمة البنكية المركزية (Core Banking Solutions - CBS): لتوفير منصة موحدة تدعم الابتكارات المالية القادمة.
كما لا تقتصر الرؤية على الجانب التقني، بل تمتد لتشمل أهدافاً كمية واضحة تهدف لتقليص "فجوة الشمول المالي" (Financial Inclusion Gap) التي رصدتها الدراسات العلمية الرصينة التي تمت مؤخراً.
التحديات والبيئة التنظيمية: خارطة الطريق لعبور المعوقات
لا يمكن فصل الطموح الرقمي في اليمن عن واقع التحديات المعقدة التي تحيط بالبيئة التشغيلية. إن نجاح مشروع نظام مدفوعات سريع (FPS): وتحقيق "الجسر الرقمي لتعزيز الشمول المالي باليمن" يتطلب مواجهة مباشرة لمعوقات بنيوية وتنظيمية، مما يتطلب استراتيجية عبور متعددة المسارات لمعالجة هذه المعوقات والمعضلات، ممثله في:
1. معضلة البنية التحتية والفجوة الرقمية.
2. نقص الثقافة المالية الرقمية (Financial Literacy).
3. التحديات التنظيمية والامتثال (Regulatory & Compliance).
4. مخاطر الأمن السيبراني وحماية البيانات.
5. إدارة مخاطر السيولة والترابط البيني.
تعزيز الثقة والبيئة التنظيمية (دراسة حالة البنوك المحلية والمحافظ الرقمية)
تعد "الثقة" العملة الحقيقية في نظام الاقتصاد الرقمي، وفي سياق اليمن، لا تقتصر الثقة على الجانب التقني فحسب، بل تمتد لتشمل المرجعية المؤسسية والبيئة التنظيمية التي يعمل من خلالها مقدمو الخدمات. إن تحليل نشاط المحافظ الرقمية الرائدة (جيب، جوالي، محفظتي، موبايل موني) يكشف عن تباين في استراتيجيات بناء الثقة والانتشار السوقي.
تعتمد المحافظ الرقمية في اليمن على نموذجين لبناء الثقة: النموذج البنكي المباشر: مثل "محفظتي" التابعة لبنك التضامن و"موبايل موني" التابعة لـ (CAC Bank). هنا تُبنى الثقة على تاريخ المؤسسة المصرفية وقدرتها على الامتثال للمعايير الدولية.
نموذج شركات التكنولوجيا المالية (FinTech): مثل "كاش ONE، و"جيب" و"جوالي"، حيث تُبنى الثقة على كفاءة الواجهات التقنية وسرعة الانتشار وهذا لم يتم الا وفق الرؤية الكبيرة التي ينظر لها وتبناها البنك المركزي اليمني بصنعاء من خلال تعاونه الكبير مع شركات التكنولوجيا المالية الرقمية كونها تنوب عن البنك المركزي اليمني بصوره غير مباشرة وتمثل له مصدر للأموال الإلكترونية (E-money issuers).
بناءً على التقارير الفنية لعام 2025 المستخرجة من منصات تتبع التطبيقات، يوضح الجدول التالي مقارنة دقيقة بين المحافظ الأربع الكبرى، والتي تمثل عصب الشمول المالي والتي يرعاها البنك المركزي اليمني، وتتمثل في: الشكل رقم (1)
وعليه يشير الاستدلال التحليلي للجدول ومن واقع البيانات الى ما يلي:
*ثقة الجمهور والانتشار.
*الجودة والموثوقية.
*الخبرة التراكمية.
تعزيز الشمول المالي عبر المحافظ الرقمية كخيار استراتيجي
في ختام هذا التحليل، يتضح أن المحافظ الرقمية في اليمن لم تعد مجرد "خيار تقني بديل"، بل أصبحت "العمود الفقري" لمنظومة مالية جديدة تسعى لتجاوز تعقيدات الأزمة الراهنة. إن التحول من الاقتصاد القائم على النقد (Cash-based economy) إلى رحاب الاقتصاد الرقمي هو الجسر الوحيد الممكن لتحقيق الاستقرار المالي والاجتماعي.
بينما تشير الإحصائيات الحالية إلى فجوة شمول مالي حادة (امتلاك الحسابات بنسبة 12% فقط)، فإن الطموح الاستراتيجي لمشروع مدفوعات سريع (FPS) يضع هدفاً واضحاً برفع عدد الحسابات النشطة بنسبة 30% عما هي حالياً، بحلول عام 2030، هذا النمو ليس كمياً فحسب، بل هو نمو "نوعي" يستهدف تقليص الفجوة الجندرية (Gender Gap) ودمج النساء في الدورة الاقتصادية، وهو ما يمثل ذروة الجدوى الاجتماعية للتكنولوجيا المالية.
رؤية 2030: نحو يمن مالي متكامل:
إن التكامل بين القطاع المصرفي (كما في تجربة بنك التضامن وCAC Bank) وشركات التقنية المالية (مثل جيب وجوالي) يثبت أن المجتمع اليمني جاهز للرقمنة، حيث أبدى 92% من غير المشمولين رغبة في التعامل الرقمي. إن المطلوب الآن هو المضي قدماً في تحديث أنظمة التسوية الإجمالية الآنية (RTGS) وحماية الأمن السيبراني لضمان استمرار هذا الجسر الرقمي.
ختاماً، إن الشمول المالي عبر المحافظ الرقمية ليس مجرد مشروع تقني، بل هو رؤية وطنية وإنسانية تهدف لاستعادة كرامة المواطن المالية وضمان وصول الخدمات لكل ريف وقرية في اليمن. إن تكاتف الجهود الدولية والمحلية هو ما سيحول "أرقام التنزيلات" المليونية الحالية إلى "أدوات تمكين" تبني اقتصاداً يمنياً صامداً ومستداماً.
التكنولوجيا المالية (FinTech) كجسر للصمود الاقتصادي
أثبتت التكنولوجيا المالية في اليمن أنها ليست ترفاً، بل هي جسر للنجاة الاقتصادية والتحول من النظام النقدي المجهد إلى النظام الرقمي المرن.
*نجاح النموذج الرقمي: تعكس الأرقام المحققة لمحفظتي "جيب" و"جوالي" (أكثر من مليون تنزيل لكل منهما) نضجاً في الوعي المجتمعي وجاهزية لتبني الـ ( FinTech) كبديل آمن.
*الجودة والامتثال: أظهرت تجارب المحافظ البنكية مثل "موبايل موني" (بتقييم 4.5/5) و"محفظتي" أن المؤسسات المصرفية قادرة على تقديم خدمات تقنية عالية الجودة تلبي متطلبات قطاع الأعمال والتجار.
*الشفافية الدولية: إن تبني "مبدأ التدقيق الواحد" (Single Audit Principle) تحت إشراف UNDP يمثل حجر الزاوية في بناء الثقة بين المانحين والقطاع المصرفي اليمني،
ويوضح الجدول أدناه الربط المنهجي بين مؤشرات الأداء الحالية للمحافظ الرقمية وبين المستهدفات الطموحة لمشروع نظام مدفوعات سريع ( FPS): بحلول عام 2030:
من خلال القراءة المتفحصة للجدول المدمج، نجد دلالات هامة تدعم فرضية المقال:
•كفاية الطلب: وجود أكثر من مليوني تنزيل لمحفظتي (جيب وجوالي) يؤكد أن المجتمع اليمني تجاوز مرحلة "الرفض التقني" وانتقل لمرحلة "التبني الواسع"، مما يجعل مستهدف البنك الدولي للوصول إلى 487 ألف حساب نشط مستهدفاً "واقعياً وقابلاً للتحقيق".
•الجودة والاحترافية: حصول تطبيق "موبايل موني" على تقييم 4.5/5 يشير إلى جاهزية القطاع المصرفي اليمني (بقيادة كاك بنك وبنك التضامن) لتقديم خدمات تتوافق مع معايير الجودة الدولية، وهو ما يخدم محور "بناء القدرات المؤسسية" (Institutional Capacity Building).
فرصة الرقمنة: النسبة المرتفعة لرغبة المواطنين في التحول الرقمي (92%) تمثل "الوقود الحقيقي" لنجاح استثمارات البنك الدولي في البنية التحتية (FPS)، حيث تتوفر القاعدة البشرية المستعدة لاستخدام النظام فور اكتماله.
إن الشمول المالي في اليمن 2025 ليس مجرد أرقام إحصائية، بل هو قصة صمود رقمي. فبينما تعمل المحافظ الإلكترونية كأدوات يومية للمواطن، فإن مشروع البنك الدولي يعمل كـ "مهندس" للبنية التحتية التي ستحول هذه المحافظ إلى منظومة مالية متكاملة. إن المستقبل المالي لليمن يكمن في "الرقمنة"، وهي الجسر الذي سيعيد ربط اليمن بنظام المال العالمي، محققاً استقراراً اقتصادياً يلمسه كل مواطن.
اعداد وتقديم
أ/ أسامة محمد الشوخي
فرع هائل -بنك التضامن
المصادر والمراجع العلمية:
1)السماوي، عبد الغني محمد، والفسيل، بلقيس أحمد، والحدا، صالح زيد، والدبيلي، أمل أحمد. (د.ت). خدمات الدفع الإلكترونية في اليمن: التحديات وفرص النجاح. معهد الدراسات المصرفية.
2)صندوق النقد العربي. (2019). استخدام أدوات الدفع الإلكترونية لتعزيز الشمول المالي (تقرير رقم 100). فريق العمل الإقليمي لتعزيز الشمول المالي في الدول العربية.
3)مركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية. (2022، مارس). تحديات وآفاق النقود الإلكترونية وأنظمة الدفع في اليمن. الوحدة الاقتصادية، مبادرة إعادة تصور اقتصاد اليمن.
4)العلفي، نبيل محمد، والجنيد، صخر فارع. (2024). دور وسائل الدفع الإلكتروني في التخفيف من المخاطر المالية والمصرفية: دراسة تطبيقية على بعض المصارف اليمنية. ورقة بحثية صادرة بتاريخ 3 مارس.
5)حُميد، سماح علي عبد العزيز، وحُميد، صالح محمد. (2024). دور النقود الإلكترونية عبر الهاتف النقال في تحقيق الشمول المالي. مجلة دراسات التنمية الاقتصادية، 7(2)، 76–95.
6)World Bank. (2025, May 22). Project appraisal document on a proposed grant to the United Nations Development Programme (UNDP) for a Yemen financial market infrastructure and inclusion project (Report No. PADH00396). International Development Association.
7)AppBrain. (2025). AppBrain – App Market Statistics and App Analytics. https://www.appbrain.com/

