جمعية البنوك اليمنية - صنعاء بتاريخ: 2026/05/22
عبدالحكيم محمد الفقيه *
- استراتيجيات الاتصال المطمئن تعيد صياغة العلاقة بين البنك والعميل من علاقة نفعية عابرة إلى شراكة استراتيجية قائمة على الأمان المتبادل
- عملنا في بنك سبأ الإسلامي على إعادة صياغة فلسفة الوصول بالاتجاه نحو العميل وتلبية احتياجاته في بيئته المحلية بدلاً من المراهنة على قدرته في الوصول إلينا
- تجاوزنا بمراحل حدود تقديم الخدمات المصرفية التقليدية لنضطلع بمهمة أسمى في ظل الأزمات هي مهمة تقديم الطمأنينة كقيمة جوهرية ثابتة
عندما نتحدث عن التسويق المصرفي في اليمن اليوم فإننا لا نتحدث عن التسويق التقليدي أو عن حملات إعلانية أو تحليلات نمطية للعلامة التجارية.
نحن نتحدث عن معركة وجود ففي ظل الصراعات والحروب يطرأ تحول جذري على سلوك المستهلك حيث يتخلى العميل عن نموذج المستهلك الرشيد الذي يفاضل بين الخيارات بناء على العائد المادي أو جودة الخدمة ليتحول إلى مستهلك قلق تحركه غريزة البقاء المالي وتسيطر عليه هواجس الأمان.
ومن واقع الخبرة لاحظت أن تساؤلات العميل في هذه المرحلة تتمحور حول ديمومة الأصول وسهولة الوصول إليها.. هل أرصدتي في أمان.. وهل تملك المؤسسة القدرة على الاستمرار؟ وأمام هذا المشهد المعقد لم تعد الوظيفة التسويقية مجرد أداة لترويج المنتجات أو زيادة الحصص السوقية بل تطورت لتصبح ما أسميه الهندسة النفسية المتكاملة وأرجو في البداية موافقتي على هذه التسمية وغيرها من التسميات والمصطلحات المستحدثة في هذا الموضوع حتى نستطيع أن نتفهم بعضنا ونمضي في تأصيل هذا الفكر التسويقي.
هذه الهندسة تهدف إلى ردم فجوة غياب الثقة عبر استراتيجيات الاتصال المطمئن مما يعيد صياغة العلاقة بين البنك والعميل من علاقة نفعية عابرة إلى شراكة استراتيجية قائمة على الأمان المتبادل.
تحول جذري في الخطاب التسويقي
كنا ندرك أن جوهر الأزمة لا يكمن في شح السيولة النقدية فحسب رغم كونها تحدياً قائماً بل يتجاوز ذلك إلى اتساع فجوة الثقة لدى الجمهور وبناء على ذلك تبنينا نهجاً استراتيجياً أطلقنا عليه الاتصال المطمئن حيث أحدثنا تحولا جذريا في خطابنا التسويقي بالانتقال من الترويج التقليدي للخدمات المصرفية إلى التركيز المطلق على مبدأ صمود المؤسسة واستمراريتها.
لقد جعلنا من بقاء أبواب البنك مفتوحة وجهوزية الأنظمة البنكية للعمل تحت أقسى الظروف الرسالة الجوهرية للعملاء مما حول الاستقرار المؤسسي إلى ميزتنا التنافسية الأكثر تأثيراً وفي هذا السياق أطلقنا حملاتنا النوعية (ربع قرن من العمل المؤسسي والخبرة تصنع الفرق) لترسيخ صورة البنك ككيان صلب ومتجذر يمنح الأمان لعملائه في زمن المتغيرات وقد أتت هذه الحملات أكلها بإذن ربها.
في بيئات الاضطراب لا يمكنك استخدام نفس أدوات التسويق التي كنت تستخدمها في زمن السلام لقد أعدنا هيكلة المزيج التسويقي التقليدي من الجذور فهمنا ديناميكية المنتج في وقت الأزمات وأصبح لدينا قاعدة بسيطة تتمثل في أن السرعة والوصول أهم من العائد ولذلك قمنا بإعادة تصميم دورة حياة المنتجات المصرفية لتكون أكثر مرونة وتوجهنا بقوة نحو المصرفية الرقمية كحل جذري لمعوقات الحركة والسيولة ولم تكن التحولات الرقمية ترفا بل كانت خط الدفاع الأول لضمان أن يبقى العميل قادراً على التحكم بأمواله حتى لو أغلقت جميع الفروع.
ولم يعد التسعير مجرد معادلة ربحية ترضي المساهمين في خضم الحرب فقد جعلنا منه أداة تضامن اجتماعي وذلك من خلال اعتماد سياسات تسعيرية في الخدمات والعمولات تراعي بشكل مباشر الانكماش الاقتصادي الذي يعيشه المواطن اليمني وكانت النتيجة هي أن صورة البنك لم تعد تقترن بـ الجشع بل أصبح ينظر إليه كـ كيان وطني يشعر بمعاناة عملائه.
رؤية مغايرة لإدارة جغرافيا الانتشار
لقد عملنا وفق رؤية مغايرة لإدارة جغرافيا الانتشار خلال الأزمات حيث لم ينصب استثمارنا على التوسع الكمي عبر فتح فروع جديدة في ظل ظروف الحرب المعقدة بل ركزنا على تعزيز صمود فروعنا القائمة وضمان استمراريتها كمراكز طمأنينة لا تغلق أبوابها وبالتوازي مع ذلك عملنا على بناء شراكات استراتيجية مرنة عابرة للقطاعات تتجاوز في مفهومها وحركتها القالب التقليدي للفرع المصرفي الثابت.
لقد أعدنا صياغة فلسفة الوصول لنتجه نحو العميل في أماكن تواجده وتلبية احتياجاته في بيئته المحلية بدلاً من المراهنة على قدرته في الوصول إلينا مما عزز من كفاءة شبكة فروعنا وفاعليتها في أقسى الظروف التشغيلية.
ومما لا شك فيه أن السمعة المؤسسية في القطاع المصرفي تتجاوز كونها مجرد هوية بصرية أو علامة تجارية جذابة بل هي الأصل غير الملموس والقاعدة التي ترتكز عليها استدامة المؤسسة حيث يمثل أي اختراق لها تهديداً وجودياً لكيان البنك وفي بيئة تشغيلية مضطربة تتسم بتدفق المعلومات المتسارعة وتنامي الشائعات اعتمدنا في بنك سبأ الإسلامي نموذج الاستجابة الاستباقية القائم على ركيزة الشفافية المطلقة فقد واجهنا التقلبات بانتهاج سياسة المكاشفة عبر نشر تقارير دورية تعكس بوضوح متانة المركز المالي للبنك والتزامه الصارم بالمعايير الرقابية الدولية إيماناً منا بأن قوتنا تكمن في لغة الأرقام الموثقة وأن مواجهة التحديات بصدق هي الصد المنيع قبل تحولها إلى شائعات مضللة كما حرصنا على مواءمة خطابنا التسويقي مع الواقع الميداني بشكل تام ويتجلى ذلك في مبادراتنا بفتح أبواب فروع البنك لاستقبال طلاب وطالبات الجامعات الحكومية والأهلية حيث لم تكن هذه الزيارات مجرد برامج تدريبية تقنية بل كانت برهانا واقعيا ودليلا ملموسا على كفاءة البنية التحتية وصمودها في وجه التحديات الراهنة ومثل هذه الخطوات الاستراتيجية تعمل على دحض أي ادعاءات وتساهم في تحويل الجمهور من مجرد مراقبين إلى سفراء يثقون بجدارة المؤسسة وقدرتها الفائقة على الاستمرار.
لقد فرضت المتغيرات الجيوسياسية في اليمن مساراً لم يكن اختيارياً بأي حال وهو التسارع القسري نحو التحول الرقمي الشامل فلم يعد التسويق الرقمي في بنك سبأ الإسلامي مجرد حضور على منصات التواصل الاجتماعي أو حملات إعلانية ممولة بل ارتقى ليصبح منصة تفاعلية متكاملة تدار وفق أعلى معايير الاحترافية المصرفية.
لقد نجحنا في تحويل التحديات التقنية واللوجستية المعقدة إلى فرص استراتيجية لتعزيز الثقافة المالية الرقمية لدى المجتمع والنتيجة هي ترسيخ اسم بنك سبأ الإسلامي في الوجدان الجمعي كمرادف للحداثة والابتكار المصرفي ليس فقط لتجاوزه الظروف الراهنة بل بفضل المنهجية العلمية التي اعتمدها في إدارة هذه الأزمات وتحويلها إلى رافعة للتطوير والتحديث المستمر.
استراتيجية متكاملة لتعزيز السمعة
كانت مهمتنا كيف يمكن أن نحول الشاشة إلى حصن ثقة في زمن الاضطرابات المتسارعة لم تعد إدارة السمعة المؤسسية رهينة الوسائل التقليدية كالصحف أو الإعلانات التلفزيونية بل انتقل الثقل الاستراتيجي إلى الفضاء الرقمي حيث تتشكل الانطباعات الأولية وتصاغ الولاءات أو تهدم المؤسسات في ثوان معدودة وبناء على ذلك أدركنا في بنك سبأ الإسلامي أن الحضور الرقمي الفاعل هو بمثابة شريان حياة للمؤسسة فتبنينا استراتيجية متكاملة لتعزيز السمعة الإلكترونية ترتكز على ثلاثة محاور جوهرية تعيد صياغة العلاقة مع العميل من خلال واجهات رقمية آمنة وموثوقة تضمن استمرارية الخدمة وتدفق المعلومات في بيئة تفتقر إلى اليقين مما جعل من حضورنا الرقمي صمام أمان لسمعة البنك ومحركاً لنموه الاستراتيجي من خلال:
أولا: الحضور المؤسسي النوعي كخط دفاع استباقي حيث نأينا بأنفسنا عن الحسابات الصورية وركزنا على تشييد منصات موثقة ورسمية قوية عبر فيسبوك وتويتر ولينكد إن وغيرها لتكون المرجع الحصري والوحيد للمعلومة الموثوقة وبذلك أرسخنا قاعدة مفادها أن أي معلومة خارج قنواتنا الرسمية هي محض شائعة مفتقرة للمصداقية مع الالتزام بنشر تحديثات فورية حول استمرارية الخدمات مما خلق مسارا مباشرا وآمنا لتواصل العميل مع البنك.
ثانيا: الرصد المستمر والاستجابة الذكية حيث شكلنا فريقا متخصصا لمراقبة السمعة الرقمية على مدار الساعة لا تقتصر مهامه على رصد الإشاعات بل تمتد لتعقب الإشارات السلبية ومعالجة الاستفسارات الغاضبة بدقة عالية متبعين قاعدة ذهبية تقضي بتقديم رد علني يجسد الاهتمام يتبعه حل جذري يثبت الكفاءة إيماناً منا بأن أصغر الشكاوى تتطلب احتواء كاملاً لمنع تحولها إلى أزمات سمعة عابرة للحدود.
ثالثا: تمكين العملاء كسفراء رقميين انطلاقا من قناعتنا بأن أقوى الحملات التسويقية هي التي يقودها العميل بصدق فقد صممنا تجارب رقمية ثرية قابلة للمشاركة مع تقديم محفزات معنوية تشجع العملاء على نقل قصص نجاحهم واقعياً حيث إن شهادة عميل حقيقي عبر منصات التواصل تمنح المؤسسة موثوقية تتجاوز بمراحل تأثير الإعلانات المدفوعة.
بهذه الركائز لم يعد تواجدنا الرقمي مجرد واجهة إعلانية بل تحول إلى حصن منيع لحماية السمعة وأداة تسويقية متطورة ومنصة راسخة لبناء الثقة في الوقت الذي تتزعزع فيه الثوابت من حولنا.
المسؤولية الاجتماعية ومردودها التسويقي
وبما يخص المسؤولية الاجتماعية نحن نؤمن أن التسويق الحديث في الأزمات يتنصل تماماً من الاستعراض بالاحتفالات الفارهة والهدايا التذكارية ويتبنى مفهوم الأثر ولذلك فإننا عندما رعينا العديد من الفعاليات الطلابية والمبادرات الاجتماعية والمؤتمر العلمي الدولي الثاني ووجهنا الدعم للبحث العلمي والتعليم وغيرها من الفعاليات المجتمعية لم نكن نمارس دورا اجتماعيا فقط بل كنا نستثمر في رأس المال وهذا له مردود تسويقي مباشر كون هذا التوجه يخلق درعا مجتمعيا يحمي البنك ولقد ثبت لدينا أن الجمهور يحمي تلقائيا المؤسسات التي يرى فيها شريكا في بقائه وتطوره وليس مجرد تاجر.
نحو نموذج يمني للمصرفية المرنة
ونحو نموذج يمني للمصرفية المرنة فإن تجربتنا تقدم نموذجاً فريداً لما يمكن تسميته التسويق بالمرونة والخلاصة التي أريد أن أتركها لقراء هذا المقال هي أن التسويق في زمن الحرب ليس محاولة للتجميل ووضع طبقة مكياج على مؤسسة متعثرة بل هو جهد علمي وهندسي لضمان استدامة القيمة.
نحن في بنك سبأ الإسلامي تجاوزنا بمراحل حدود تقديم الخدمات المصرفية التقليدية لنضطلع بمهمة أسمى في ظل الأزمات وهي تقديم الطمأنينة كقيمة جوهرية ثابتة.
كما أننا لا نكتفي بإدارة المعاملات بل نسهم بفاعلية في صياغة مستقبل مالي آمن لليمنيين معتمدين في ذلك على إرث راسخ من الثقة المتبادلة ومرونة استثنائية في التكيف مع أعنف التحولات والاضطرابات، وبالتالي فإن هذا التحول من بيع المنتج إلى منح الأمان هو في تقديري الجوهر الحقيقي للهندسة التسويقية والاحتراف المصرفي في بيئات الصراع حيث تصبح الاستدامة النفسية والمالية للعميل هي المقياس الأول للنجاح المؤسسي.
*إدارة التسويق - بنك سبأ الإسلامي
مجلة المصارف العدد (45) مايو 2026م